جاري التحميل...
جاري التحميل...
00:00:00

أحلامٌ على حافةِ اليقظة

خاطرةٌ في الحلمِ واليأسِ والأملِ المُتجدّد

يحدّثني صديقي عن أحلامه. يقول إنّه يحلمُ كلَّ ليلةٍ بأن يصبحَ ما لم يكنْ، ويذهبَ إلى حيثُ لم يذهبْ. يحلمُ بأن يكونَ طائراً، لكنّه يُدركُ — وهو لا يزالُ في الحلمِ — أنّ جناحيه من ورقٍ رقيق، يذوبُ في أولِ مطرٍ حقيقي.

أقول له: "لعلّ الورقَ يتحوّلُ إلى ريشٍ يوماً ما." فيضحكُ ضحكةً لا صوتَ لها، تلكَ التي يُخفي فيها المرءُ وجعَهُ خلفَ أسنانه.

يحلمُ أن يبنيَ قصراً. يبدأُ كلَّ صباحٍ بجمعِ حجارةٍ من هنا وهناك. يحملُها بيديهِ المتقرّحتين، يُكدّرُ عينيهِ من الغبار، يبنيُ طوبةً فوقَ طوبة. ثمّ يأتي المدُّ في المساء، دائماً في المساء، ليُعيدَ كلَّ شيءٍ إلى رملٍ ورمل.

أقول له: "ابنِ بعيداً عن البحر."
يقول: "لكنّني أحبُّ البحر. كيفَ أبنيَ حياتي بعيداً عما أُحب؟"
أصمتُ. لأنّني لا أعرفُ الجواب.

يحلمُ أن يُحلّقَ بعيداً. يركضُ في الحقولِ حافياً، يمدُّ ذراعيهِ كأنّهما جناحان، يتخيّلُ أنّ الريحَ تحملُهُ. لكنّ ثقلَ الواقعِ يسحبُهُ إلى الأرضِ مرّةً بعد مرّة. يقعُ، ينزفُ ركبتاه، ينهضُ، يُعيدُ المحاولة.

يقول: "أظنّ أنّ الجاذبيةَ تُحبّني أكثرَ مما أُحبّ نفسي." أقول: "الجاذبيةُ قانونٌ فيزيائي، لا مشاعرَ لها." يقول: "إذاً لماذا تشعرُني دائماً بأنّني مُدانٌ بجرمِ المحاولة؟"

يحلمُ... ويحلمُ... ويحلمُ. يستيقظُ كلَّ صباحٍ ليجدَ أنّ أحلامَهُ ما زالتْ في مكانِها: بينَ جفنَيهِ المغلقتين، وبينَ يدَيهِ الفارغتين. يمسحُ عنهما غبارَ الليل، يُخبّئُهما في جيبِ قميصِه، يخرجُ إلى العالمِ كأنّ شيئاً لم يكنْ.

ليسَ الحزنُ في أنّهُ لا يحلم،
بل في أنّهُ يحلمُ جيداً جداً،
ويعرفُ جيداً جداً
أنّ الفَرقَ بينَ الحلمِ والحقيقة
هوَ نفسُ الفَرقِ بينَ السماءِ والأرض.

يحدّثني عن ليالٍ طويلةٍ يقضيها مستيقظاً، يراقبُ السقفَ كأنّهُ يحملُ إجاباتٍ عن أسئلةٍ لم يطرحْها بعد. يقول إنّ الظلامَ يُشبههُ: موجودٌ دائماً، لكنّنا لا نلحظُهُ إلا حينَ نُضيءُ شمعةً واحدةً في غرفةٍ كبيرة.

أقول: "لكنّكَ تُضيءُ شمعتَكَ دائماً." يقول: "نعم. وهذا ما يُرهقُني. أنّني لا أزالُ أُضيء، وأنا أعرفُ أنّ النورَ لن يدومَ حتى الفجر."

يحلمُ بأن يكتبَ. يملأُ دفاترَهِ بكلماتٍ لا يقرأُها أحد، يُرسلُ رسائلَ إلى عناوينَ غيرَ موجودة، يُسجّلُ أحلامَهُ في علبٍ من الكرتونِ يُخبّئُها تحتَ سريرِه. يقول إنّ الكتابةَ هيَ طريقُهُ للبقاءِ بعدَ أن يزولَ.

أقول: "لكنّكَ تُخبّئُ ما تكتبُ."
يقول: "لأنّني أخافُ أن يقرأَها أحدٌ فيجدَني صغيراً..."
أخافُ كثيراً.

في آخرِ لقاءٍ لنا، يقول:
"سأستمرّ. ليسَ لأنّني أملُ في التحقيق،
بل لأنّني أخافُ أن أصبحَ بلا أحلامٍ
أكثرَ مما أخافُ أن أحلمَ بلا جدوى."