خاطرةٌ في الحلمِ واليأسِ والأملِ المُتجدّد
يحدّثني صديقي عن أحلامه. يقول إنّه يحلمُ كلَّ ليلةٍ بأن يصبحَ ما لم يكنْ، ويذهبَ إلى حيثُ لم يذهبْ. يحلمُ بأن يكونَ طائراً، لكنّه يُدركُ — وهو لا يزالُ في الحلمِ — أنّ جناحيه من ورقٍ رقيق، يذوبُ في أولِ مطرٍ حقيقي.
يحلمُ أن يبنيَ قصراً. يبدأُ كلَّ صباحٍ بجمعِ حجارةٍ من هنا وهناك. يحملُها بيديهِ المتقرّحتين، يُكدّرُ عينيهِ من الغبار، يبنيُ طوبةً فوقَ طوبة. ثمّ يأتي المدُّ في المساء، دائماً في المساء، ليُعيدَ كلَّ شيءٍ إلى رملٍ ورمل.
يحلمُ أن يُحلّقَ بعيداً. يركضُ في الحقولِ حافياً، يمدُّ ذراعيهِ كأنّهما جناحان، يتخيّلُ أنّ الريحَ تحملُهُ. لكنّ ثقلَ الواقعِ يسحبُهُ إلى الأرضِ مرّةً بعد مرّة. يقعُ، ينزفُ ركبتاه، ينهضُ، يُعيدُ المحاولة.
يحلمُ... ويحلمُ... ويحلمُ. يستيقظُ كلَّ صباحٍ ليجدَ أنّ أحلامَهُ ما زالتْ في مكانِها: بينَ جفنَيهِ المغلقتين، وبينَ يدَيهِ الفارغتين. يمسحُ عنهما غبارَ الليل، يُخبّئُهما في جيبِ قميصِه، يخرجُ إلى العالمِ كأنّ شيئاً لم يكنْ.
يحدّثني عن ليالٍ طويلةٍ يقضيها مستيقظاً، يراقبُ السقفَ كأنّهُ يحملُ إجاباتٍ عن أسئلةٍ لم يطرحْها بعد. يقول إنّ الظلامَ يُشبههُ: موجودٌ دائماً، لكنّنا لا نلحظُهُ إلا حينَ نُضيءُ شمعةً واحدةً في غرفةٍ كبيرة.
يحلمُ بأن يكتبَ. يملأُ دفاترَهِ بكلماتٍ لا يقرأُها أحد، يُرسلُ رسائلَ إلى عناوينَ غيرَ موجودة، يُسجّلُ أحلامَهُ في علبٍ من الكرتونِ يُخبّئُها تحتَ سريرِه. يقول إنّ الكتابةَ هيَ طريقُهُ للبقاءِ بعدَ أن يزولَ.
في آخرِ لقاءٍ لنا، يقول:
"سأستمرّ. ليسَ لأنّني أملُ في التحقيق،
بل لأنّني أخافُ أن أصبحَ بلا أحلامٍ
أكثرَ مما أخافُ أن أحلمَ بلا جدوى."
يذهبُ إلى بيتِهِ... وينامُ على فراشٍ بارد... ويحلمُ... ويحلمُ... ويحلمُ.